السيد محمد الصدر
172
أصول علم الأصول
المتأخّرون على طرقهم الخاصّة « 1 » . وما يمكن أن تقرّب به هذه الدلالة عدّة أُمور : الأمر الأوّل : وجود المناسبة الذوقيّة بين اللفظ والمعنى ، بحيث يستشعر السامع من اللفظ ماهيّة المعنى بالحمل الشايع ، فلفظ الذلّة ذليلٌ ، ولفظ الرذيل رذيلٌ ، ولفظ العظيم عظيمٌ ، ولفظ الكريم كريمٌ ، فهو دالٌّ على معناه بالضرورة والوضوح ، حتّى كأنَّ اللفظ متّصف بنفس الوصف . وجواب ذلك : أنَّ هذا وإن سُلّم بالنسبة إلى بعض الألفاظ فهو بكلِّ تأكيد لا يشمل الجميع ، بل لا يشمل الأكثر ، بل لا يتّصف بمثل هذه المناسبة الذوقيّة إلَّا القليل من الألفاظ ، وحتّى هذه الألفاظ ونحوها إنَّما تأتي مناسبتها من الاعتياد عليها وكثرة التداول لها والتركيز عليها ، وليس لأمرٍ خاصٍّ باللفظ بما هو بكلِّ تأكيد . هذا مضافاً إلى الالتفات إلى اللغات المتعدّدة . فهل الألفاظ في كلِّ لغةٍ هكذا ؟ أم أنَّ هذه الظاهرة منحصرة في اللغة العربيّة ، والجانب الأحقّ للمدّعي أن يقول أنَّها موجودة في جميع اللغات ؛ لأنَّ ألفاظها جميعاً موضوعة لمعانيها ، والمفروض أنَّ الوضع اللغوي مفسّر بمثل هذه المناسبة الذوقيّة . إذن فكلّ اللغات لها مناسبة ذوقيّة . وإذا انتهت الدعوى إلى ذلك قلنا : إنَّ هذا غير محتملٍ من عدَّة جهات :
--> ( 1 ) أُنظر : الفصول الغرويّة : 23 ، فصل : في الوضع ، نهاية الأفكار 23 : 1 ، الأمر الثاني : في الوضع ، فوائد الأُصول 31 : 1 ، وما بعدها ، المبحث الأوّل : في بيان ماهيّة الوضع والموضوع له إلى أربعة أقسام .